الشوكاني

401

فتح القدير

والمعنى : أنهم يهربون منها راكضين دوابهم ، فقيل لهم ( لا تركضوا ) أي لا تهربوا . قيل إن الملائكة نادتهم بذلك عند فرارهم . وقيل إن القائل لهم ذلك هم من هنالك من المؤمنين استهزاء بهم وسخرية منهم ( وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ) أي إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم وكفركم ، والمترف المنعم ، يقال أترف فلان : أي وسع عليه في معاشه ( ومساكنكم ) أي وارجعوا إلى مساكنكم التي كنتم تسكنونها وتفتخرون بها ( لعلكم تسألون ) أي تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات ، وهذا على طريقة التهكم بهم والتوبيخ لهم . وقيل المعنى : لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة فتخبرون به . وقيل لعلكم تسألون أن تؤمنوا كما كنتم تسألون ذلك قبل نزول العذاب بكم . قال المفسرون وأهل الأخبار : إن المراد بهذه الآية أهل حضور من اليمن ، وكان الله سبحانه قد بعث إليهم نبيا اسمه شعيب بن مهدم ، وقبره بجبل من جبال اليمن يقال له ضين وبينه وبين حضور نحو بريد ، قالوا : وليس هو شعيبا صاحب مدين . قلت : وآثار القبر بجبل ضين موجودة ، والعامة من أهل تلك الناحية يزعمون أنه قبر قدم بن قادم ( قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين ) أي قالوا لما قالت لهم الملائكة لا تركضوا يا ويلنا : أي بإهلاكنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا مستوجبين العذاب بما قدمنا ، فاعترفوا على أنفسهم بالظلم الموجب للعذاب ( فما زالت تلك دعواهم ) أي ما زالت هذه الكلمة دعواهم : أي دعوتهم ، والكلمة هي قولهم يا ويلنا أي يدعون بها ويرددونها ( حتى جعلناهم حصيدا ) أي بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل ، والحصيد هنا بمعنى المحصود ، ومعنى ( خامدين ) أنهم ميتون ، من خمدت النار إذا طفئت ، فشبه خمود الحياة بخمود النار ، كما يقال لمن مات قد طفئ ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) أي لم نخلقهما عبثا ولا باطلا ، بل للتنبيه على أن لهما خالقا قادرا يجب امتثال أمره ، وفيه إشارة إجمالية إلى تكوين العالم ، والمراد بما بينهما سائر المخلوقات الكائنة بين السماء والأرض على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها ( لو أردنا أن نتخذ لهوا ) اللهو ما يتلهى به ، قيل اللهو الزوجة والولد ، وقيل الزوجة فقط ، وقيل الولد فقط . قال الجوهري : قد يكفي باللهو عن الجماع ، ويدل على ما قاله قول امرئ القيس : ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي ومنه قول الآخر * وفيهن ملهى للصديق ومنظر ، والجملة مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها ، وجواب لو قوله ( لاتخذناه من لدنا ) أي من عندنا ومن جهة قدرتنا لا من عندكم . قال المفسرون : أي من الحور العين ، وفى هذا رد على من قال بإضافة الصاحبة والولد إلى الله ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وقيل أراد الرد على من قال : الأصنام أو الملائكة بنات الله . وقال ابن قتيبة : الآية رد على النصارى ( إن كنا فاعلين ) قال الواحدي قال المفسرون : ما كنا فاعلين . قال الفراء والمبرد والزجاج : يجوز أن تكون إن للنفي كما ذكره المفسرون : أي ما فعلنا ذلك ولم نتخذ صاحبة ولا ولدا ، ويجوز أن تكون للشرط : أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا . قال الفراء : وهذا أشبه الوجهين بمذهب العربية ( بل نقذف بالحق على الباطل ) هذا إضراب عن اتخاذ اللهو : أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل ، بل شأننا أن نرمي بالحق على الباطل ( فيدمغه ) أي يقهره ، وأصل الدمغ شج الرأس حتى يبلغ الدماغ ، ومنه الدامغة . قال الزجاج : المعنى نذهبه ذهاب الصغار والإذلال ، وذلك أن أصله إصابة الدماغ بالضرب . قيل أراد بالحق الحجة اه وبالباطل شبههم . وقيل الحق المواعظ ، والباطل المعاصي وقيل الباطل الشيطان . وقيل كذبهم . ووصفهم الله سبحانه بغير صفاته ( فإذا هو زاهق ) أي زائل ذاهب ، وقيل هالك تالف ، والمعنى متقارب ، وإذا هي الفجائية ( ولكم الويل مما تصفون ) أي العذاب في الآخرة بسبب وصفكم لله بما لا يجوز عليه . وقيل الويل واد في جهنم ، وهو وعيد لقريش بأن لهم من العذاب مثل الذي لأولئك ، ومن